معظمنا حين يبدأ في البحث عن العمل، يكون هدفه الأساسي هو الوصول إلى مورد مالي يساعده على الاستقلال، وهذا أمر طبيعي ومهم، لكن هذا المال نفسه قد يعمل عند البعض كمخدر، وقد يعمل عند البعض الآخر كوقود مساعد.
لنتوسع أكثر..
مراحل التطور المهني عادة تبدأ من مرحلة الاكتشاف، وهي مرحلة غنية ومتنوعة ومفيدة، لكن البعض يدخلها دون وعي بها، فيعمل لأجل العمل ذاته، وينسى حالة الاكتشاف: اكتشاف نفسه ومواهبه وقدراته، واكتشاف السوق ومتطلباته. ويغفل فكرة أن عليه التفكير بكل ذلك للانتقال إلى المرحلة الثانية من مراحل التطور المهني، وهي مرحلة البناء.
تجد نفسك ممتنًا لأن الراتب وصل، مرتاحًا لأن الفاتورة سُددت، لكنك بعد سنتين أو عدة سنوات تكتشف أنك ما زلت في نفس النقطة التي بدأت منها. لم تتراكم خبرتك بشكل يخدم اتجاهاً واضحاً ولم تتشكل لديك بعد تلك الهوية المهنية التي تجمع تجاربك المتفرقة تحت مظلة واحدة. أنت فقط انتقلت من عمل إلى عمل، ومن راتب إلى راتب، دون أن يسألك أحد - وفي مقدمتهم أنت - ماذا تعلمت هذه المرة؟ وكيف يخدم هذا ما بعده؟
أما حين يكون المال وقوداً فإن العلاقة معه تختلف.. أنت لا تعمل من أجل المال فقط، بل تستخدم المال لتوسيع مساحة اكتشافك أولاً، ثم للانتقال لمرحلة البناء لاحقاً.
وبالتالي تستثمر في تحمّل مخاطرة محسوبة كالانتقال إلى دور جديد أقرب إلى ما تكتشفه عن نفسك.
هنا يشبه الأمر ما تصفه الباحثة Herminia Ibarra بـ"اكتشاف الهوية من خلال الفعل"، لا من خلال التخطيط النظري وحده، وهذا لب منهجيتي في العمل (التفكير التصميمي) وفي نموذج المظلة .
فأنت لا تكتشف هويتك المهنية بالتفكير المجرد، بل بالتجربة الفعلية، والمال هنا هو الذي يمنحك مساحة أن تجرّب دون أن تُصاب بالشلل من الخوف على لقمة العيش.
لكن دعني أكون واضحة هنا حتى لا يُفهم الكلام بشكل خاطئ: المشكلة ليست في الحاجة إلى المال فهذه حاجة مشروعة وأساسية لا يصح التقليل منها أبداً.
المشكلة في العلاقة التي تُقيمها معه. هل تسأل نفسك بعد كل عمل جديد: ماذا أخذت منه لنفسي؟ أم تكتفي بالسؤال: كم أخذت منه في حسابي؟
هذا الفرق الدقيق بين المخدر والوقود هو ما يحدد مصير سنواتك في العمل.